علي الهجويري
182
كشف المحجوب
وفي النهاية إنه لا يلزمك أن تجعل كلام الحلاج دليل على مكانته ، حيث أنه كان مغلوبا عليه ، وليس بمتمكن ، والرجل يلزمه أن يكون متمكنا قبل أن تقبل أقواله ، وتكون حجة : ومع أنه عزيز إلا أن طريقته ليست ثابتة على أصل متين ، ومقامه ليس ثابتا في محل واحد ، ومشاهده مختلطة بالأغلاط . لما كنت في مبدأ مشاهداتى كنت كثيرا ما أستعين به في طريق البرهان ، وفي أيامى الأولى كتبت كتابا في شرح أقواله ودعمتها بالأدلة والبراهين ، وزد على ذلك : أنى كتبت في كتابي « منهاج الدين » بيانا كافيا في تاريخ حياته من أولها لآخرها وقد بينت هنا التفاصيل الأخرى . ولكن يحتاج إلى بيان ودقة نظر ، فالحقيقة والبدعة لا تجتمعان . وكان دائما يبحث أن يقف على مذهب خاطئ ، يروى أنه قال : « الألسنة مستنطقات ، تحت نطقها مستهلكات » إن مثل هذه العبارات خطأ محض أو من الخطأ التعبير عن معنى الحقيقة فلو وجد المعنى لما أضاعه التعبير ، أما إذا لم يوجد فإن التعبير عنه لا يوجده ، إن التعبير في هذه الحالة لا ينجم عنه إلا تصوير غير حقيقي ، مما يجعل السالك يضل الطريق ، إذ قد يعتقدان العبارة هي المعنى الحقيقي . 54 - ومنهم قائد المتوكلين ، ومقدم المسلمين ، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص . بلغ درجة عالية في طريق التوكل ، وقد اجتمع بكثير من المشايخ ، وله آثار باهرة ، وكرامات ظاهرة ، وتآليف كثيرة في أصول التصوف . يروى أنه قال : « المعرفة كلها عبارتين : لا نتكلف ما كفيت ، ولا نضيع ما استكفيت » أعنى أنه لا يلزمك أن تشغل نفسك بما قدر لك في سابق علمه ، ولا تهمل في أوامره حتى توفق في الدنيا والآخرة ، ومعنى ذلك ألا تتكلف فيما قسم لك ، لأن ما كتب لك في الأزل لا يتغير بتكلفك ، ولا تقصر فيما أمرت به فترك الأمر يستوجب العقوبة .